أنامل شبابية أعادت إشعال فرن الحرفة التونسية ورفعت اسم Céramique Plus إلى المنصّات العالمية

لمّا ولجنا  باب  سيراميكا plus   لم  نكن  امام شابًا عاديًا… بل أشبه بشرارة تشتعل في هدوء، تضيء المكان دون ضجيج، وتترك في الأذهان أثرًا لا يمحى. كان يحمل في نظراته ثقة لا تحتاج إلى كلمات، وفي خطوته إصرار من يعرف جيّدًا إلى أين يسير. شاب جمع بين رصانة الكبار وجرأة البدايات، يدرس الواقع بسرعة، يلتقط الفرص بدقّة، ثم يقرأ المستقبل كما لو كان صفحة مفتوحة بين يديه.

في فترة وجيزة، استطاع أن يفعل ما يعجز عنه كثيرون في سنوات طويلة. لم يعتمد على الحظ، ولم ينتظر الظروف… بل خلق فرصه بنفسه. كان يتحرك بخفّة، يتكلم بحكمة، يُقنع بلا ضوضاء، ويرسم طريقه بثبات. كان من تلك الشخصيات التي تشعر أنّها خُلقت لتترك بصمة، لا لتكون عابرة في مسار الآخرين.

لكن وراء كل هذا البريق… يقف رجل آخر، رجل كان القاعدة التي بني عليها الشاب صلابته.
كان الأب شخصية فريدة، لا تُشبه سواه.بدأ مشواره منذ عقود ، بل كانت انطلاقته الحقيقية في الثمانينات، حين فتح بابًا كان قليلون يجرؤون حتى على طرقه: علاقات مع حرفاء أجانب في زمن كانت فيه مثل هذه الخطوات مغامرة كبيرة.

كان الأب  السيد كمال بعطوط  يتمتّع بحسّ تجاري فذّ، يعرف كيف يدخل القلوب قبل الأسواق، ينسج الثقة بخيط رفيع لكنه متين، ويمشي بخطوات محسوبة لا تخطئ اتجاه النجاح. لم يكن رجلاً عاديًا، بل كان صاحب رؤية بعيدة، يسمع ما لا يُقال، ويرى ما لا يراه غيره. كان قادرًا على كسب احترام الجميع… الأجانب قبل أبناء بلده. فيه من الحكمة ما يجعل كلامه قليلًا ولكن مُلهِمًا، ومن الشجاعة ما يكفي لفتح الأبواب المغلقة دون تردد.

من ورشة متواضعة… إلى حكاية تمتدّ عبر عقود

البداية كانت مع السيد  كمال بعطوط، الذي امتلك ورشة صغيرة تعتمد على الطين والحطب وأدوات بسيطة لإنتاج قطع فخارية تقليدية تُباع للسوق التونسية  و  للوفود الزائرة . وفي الثمانينات، نجح في ربط علاقات مع حرفاء أجانب، ليبدأ تصدير المنتوج التونسي إلى الخارج. ورشة بسيطة، لكنها احتضنت أرواح عائلات كثيرة، وحافظت على تراث تونسي أصيل. ورشة متواضعة، لكنها كانت تحمل تاريخًا ممتدا  اكثر توهجا حين ربط الوالد علاقات مع حرفاء أجانب وبدأ يشق طريقه نحو التصدير، رغم بدائية الوسائل واشتغال الأفران الخزفية بالحطب.ومع الزمن، أصبحت الورشة مورد رزق لعائلات عدّة، ومفخرة صغيرة لصاحبها و استقر  عملها  على التصدير الى الخارج  بعد اندثار السوق  المحلية نتيجة تأثيرات  الثورة .. استمرارا اوقفته . جائحة كورونا… حيث  أُغلقت الحدود، و توقّفت السياحة، و شُلّ التصدير…
وأُجبرت المؤسسة على غلق أبوابها. عائلات بأكملها وجدت نفسها في العراء، والوالد—الذي حمل الحرفة على كتفيه لسنوات—وجد صعوبة في الحفاظ على موارد الرزق. فتحوّل  المشهد من النور الى الظلمة و من البياض الى القتامة .
إلا أنّ القدر كان يُحضّر لبداية قصة أخرى.

19 عامًا… وعقل رجل يقلب الموازين

حين بدت الحياة وكأنها تُغلق أبوابها في وجه الجميع، وقف شوقي كمال بعطوط، الشاب ذو الـ19 عامًا، أمام مفترق طرق حاسم: هل يواصل مساره في المحاسبة، أم يجرؤ على حمل مشعل والده وإنقاذ الإرث العائلي من الانهيار؟  دفعه  في ذلك  اسر متعففة كان تسترزق من ورشة والده  …حيث اختار الطريق الأصعب… طريق الوقوف حين اختار الجميع الجلوس. بجرأة لا تشبه سنّه، فتح أول «نصبة» لبيع الأواني وسط الشارع رفقة شقيقته الصغرى، في وقت كان فيه الأمل نادرًا والطلب شبه منعدم، والشوارع تروي قصص الانكماش لا قصص النجاح. لكن تلك النصبة البسيطة كانت الشرارة الأولى لقصة ستصل لاحقًا إلى العالم.

وبفطنة شاب يرى أبعد من الخطوات الصغيرة، أدرك شوقي أن السوق تغيّرت وأن المستقبل يتحرّك نحو الإنترنت. فانتقل من الرصيف إلى الفضاء الرقمي يعد ان جمع  موارد مالية  من عائدات البيع على الرصيف ، وأنشأ صفحة فايسبوك، وبدأ في تصوير المنتوج، واستدعى العمال للعودة إلى الورشة. أعاد صياغة تصور فني جديد للأواني، يمزج بين روح الفخار التقليدي ولمسة شبابية معاصرة، ثم أطلق أول طاقم فخاري بسعر 70 دينارًا. وما إن نشره على الإنترنت حتى انفجر الطلب بشكل غير مسبوق؛ كأن الناس كانت تنتظر من يعيد إليها قطعة فنية تونسية أصيلة، دافئة، مصنوعة بأيادٍ تعرف قيمة التراث وتملك حسّ الإبداع.

وفي تلك اللحظة المفصلية، كانت بركة رمضان تطرق الأبواب، فارتفع الطلب أكثر، وعادت الورشة إلى الحياة، ومعها عادت العائلات التي فقدت مورد رزقها. ورغم محدودية الموارد، وجد شوقي دعمًا كبيرًا من المزوّدين الذين لم يكتفوا بالثقة في نزاهته فقط، بل وثقوا فيه لأنهم عرفوا والده جيدًا و خبروه  سابقا و تعاملوا معه ؛ الرجل الذي ظلّ طوال سنوات مثالًا في الأمانة والجدّ والثقة، فانعكست سمعته الطيبة على ابنه، وفتحت له أبواب الدعم بالتقسيط والتسهيلات. وهكذا… لم تعد العجلة تدور فقط، بل بدأت تُسرع، تحمل معها روحًا جديدة، وتكتب فصلًا لم يكن ممكنًا لولا شاب قرّر أن يصنع الحل بدل انتظار المعجزة.

مؤسسة Ceramica Plus: من ورشة متواضعة إلى علامة تُصنع في الذاكرة

لم تكن Ceramica Plus مجرّد مشروع عائلي، بل كانت حلمًا يشتدّ لمعانه عامًا بعد عام. تأسست في زمن كانت فيه الصناعة الوطنية تبحث عن موطئ قدم، فظهرت هذه المؤسسة كطاقة مختلفة؛ ورشة صغيرة في البداية الى مؤسسة عملاقة  تضجّ بالحياة وبروح المغامرة، تعتمد على حسّ فني فريد وقدرة تقنية لم تكن مألوفة آنذاك.
ومع دخول التسعينات، بدأت المؤسسة تشقّ طريقها بثبات. استثمر الشاب الطموح—الذي تحوّل سريعًا إلى محرّكها الأساسي—في تحديث آلات الإنتاج، وتطوير طرق الحرق والتزويق، ثم إدخال تقنيات جديدة مكّنت من تقديم منتوجات ذات جودة عالية، تجمع بين اللمسة التونسية والصرامة العالمية.

ومع توسّع السوق وارتفاع الطلب، تغيّرت المؤسسة من الداخل: أصبحت خطوط الإنتاج أكثر تنوّعًا، توسعت مساحات العمل، والتحقت بها كفاءات شبابية صنعت معها روحًا حديثة. بدأت Ceramica Plus تُعرف كدارٍ للابتكار: تصاميمها أصبحت مميزة، ألوانها أكثر جرأة، وأسلوبها أقرب إلى الماركات العالمية التي تُنافسها في الجودة والمتانة.

: Ceramica Plus. مؤسسة بنيت على أربع دعائم ثابتة: جودة عالية، تصميم فني أصيل، روح شبابية مبتكرة، وإحاطة كاملة بكل مراحل الإنتاج. لم يعد العمل يقتصر على تشكيل القطعة فقط، بل أصبحت المؤسسة فضاءً متكاملاً يحتضن: صناعة القطع، تزيينها، طلاؤها، تجفيفها، ثم تغليفها… كل ذلك داخل نفس الهيكل، وبحرفية لا تتنازل عن أي تفصيل.

ومع هذا التوسّع الذكي، ارتفع عدد اليد العاملة ليبلغ 50 عاملًا، مع قابلية دائمة للارتفاع، بفضل روح العمل الجماعي والتدريب المستمر. ولم تتوقف Ceramica Plus عند الأواني الفخارية، بل توسّعت لإنتاج الشوّاط، وذهبت أبعد من ذلك حين أصبحت مواد الطلاء تُخلط داخل المؤسسة نفسها بدل استيرادها، ما منحها استقلالية تقنية وجودة ثابتة ومميزة.

بهذه الخطوات الجريئة، تحوّلت Ceramica Plus إلى علامة تُصنّع حضورها وتفرض اسمها، وتقدّم نموذجًا تونسيًا في كيف يمكن للشغف أن يتحوّل إلى مؤسسة ناجحة تُكتب قصتها بفخر.

الاشعاع العالمي بدأ من هنا

لم يتأخر إشعاع Ceramica Plus في تجاوز حدود الوطن. فبفضل اول خطوة دعم من قبل  السيد صالح عمامو، رئيس الجامعة الوطنية للصناعات التقليدية، منحها اياها في  حصول المؤسسة على فرصة ذهبية للمشاركة في واحد من أكبر المعارض الدولية للصناعات التقليدية في إيطاليا. وهناك، حيث تتنافس كبريات العلامات العالمية و يتوافد  على المعرض  زهاء المليون زائر ، كان النجاح مدوّيًا: مدير المعرض وقف منبهرًا أمام جمالية المنتوج، ودقّة تفاصيله، والروح الشبابية التي تقف خلفه. لم يكن ذلك مجرد إعجاب… بل اعتراف دولي بأن ما تقدّمه الأيادي التونسية قادر على دخول الصفوف الأولى.

ومن تلك المحطة، انطلقت رحلة Ceramica Plus نحو الأفق الواسع. فكانت إيطاليا بوابة أولى، تلتها زيارات مهنيّة إلى فرنسا لتفكيك ذوق الحريف الأوروبي وفهم حاجيات السوق، ثم انتقال إلى الجزائر لتعميق الشراكات وفتح منافذ توزيع جديدة، وصولًا إلى خطوات جدّية لإبرام اتفاقية تعاون وإقامة معرض هناك بفضل التسهيلات الكبيرة التي وجدتها المؤسسة لدى الأشقاء الجزائريين.

هذه الديناميكية الذكية جعلت منتوجات Ceramica Plus تحظى اليوم بحضور فعلي في:

  • فرنسا
  • إيطاليا
  • الولايات المتحدة
  • كندا

وقريبًا تحطّ في:

  • اليونان
  • قطر

والهدف أبعد من ذلك بكثير… ففلسفة Ceramica Plus واضحة: منتوج تونسي أصيل، مُتقن، صحي، جميل، ومتناول… يستحق أن يصل إلى كل بيت في العالم.

دعوة للدعم… لاستمرار الإبداع التونسي

ورغم النجاح الباهر الذي حققته Ceramica Plus في الداخل والخارج، إلا أن التحديات ما تزال قائمة. فغلاء سعر الغاز الذي يصل إلى 15 ألف دينار شهريًا، ونقص اليد العاملة الماهرة، وغلق مقاطع “الطفل” التونسية، يشكل تهديدًا حقيقيًا لديمومة المؤسسات ا المختصة في قطاع الخزف ولقدرة الشباب على الابتكار والنهوض بالصناعة التقليدية. وهنا يظهر الدور الحيوي للدولة و تدخلها العاجل في  تقديم تشجيعات حقيقية للمؤسسات الناشئة والقائمة، ودعم الصناعات الوطنية، وضمان توفر المواد الأولية بأسعار عادلة، وتسهيل الاستثمار في التدريب الفني. فبتلك الخطوات، لن تُحافظ Ceramica Plus فقط على إرث الحرفة التونسية، بل ستستمر في تصدير صورة مشرقة لتونس في الأسواق العالمية، وتثبت أن الإبداع والعمل الجاد قادران على تحويل التحديات إلى قصص نجاح تفتخر بها البلاد.

عائلة من ذهب… سند وركيزة للنجاح

ورغم أن شوقي  بعطوط هو وجه Ceramica Plus، فإن نجاحه لم يكن ليُكتب لولا عائلته التي شكلت له سندًا لا يتزعزع. والده، كمال بعطوط، كان مصدر الإلهام الحقيقي؛ رجل الأمانة والثقة، الذي زرع في ابنه قيم الاجتهاد والإخلاص منذ الصغر. والدته كانت السند العاطفي والداعم الدائم لكل خطوة، تزرع في البيت روح الثقة والتفاؤل. أما شقيقته سماح وزوجها عبد القادر، فكانا الركيزة العملية التي تُمسك بمقود المؤسسة إلى جانبه، يساندانه في إدارة تفاصيل العمل اليومية. ولا يمكن أن ننسى زينب، الشقيقة الصغيرة، التي كانت أول من شاركه المغامرة، ووقفت إلى جانبه منذ أول خطوة على الرصيف، فكانت اليد الداعمة والعيون الساهرة على كل حركة فضلا عن شقيه  المساند الدائم ..فبهذا التلاحم العائلي، لم تكن Ceramica Plus مجرد مشروع تجاري… بل قصة عائلة تونسية تصنع الفخر والنجاح بروح واحدة وإيمان مشترك.

إيمان وعزيمة… نحو آفاق أوسع

قصة Ceramica Plus ليست مجرد قصة نجاح لمؤسسة تونسية، بل هي شهادة حية على قوة الإيمان بالله، وعلى قدرة العزيمة الحقيقية على تحويل التحديات إلى إنجازات. فكل قطعة فخار تنتجها المؤسسة تحمل معها روح الاجتهاد، وصبر الليالي، ورؤية شاب يؤمن بأن الحلم ممكن إذا ما اجتمع الإيمان بالعمل الجاد. و قصة Ceramica Plus إذن هي رسالة واضحة: بالإيمان، بالعزيمة، وبروح المبادرة، يمكن للشباب التونسي أن يجعل الحرفة الوطنية تنافس العالم، وأن يكتب قصة نهضة تليق بتونس وأجيالها القادمة.

 الحبيب العرفاوي

 

 

 

مقالات ذات صلة